علي بن محمد البغدادي الماوردي
99
أدب الدنيا والدين
يؤدّى . ثم جعل إلى رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم بيان ما كان مجملا « 1 » وتفسير ما كان مشكلا « 2 » وتحقيق ما كان محتملا « 3 » ليكون له مع تبليغ الرسالة ظهور الاختصاص « 4 » به ومنزلة التفويض إليه . قال اللّه تعالى : وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ثم جعل إلى العلماء بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم استنباط ما نبه على معانيه وأشار إلى أصوله ليتوصلوا بالاجتهاد « 5 » فيه إلى علم المراد به فيمتازوا بذلك عن غيرهم ويختصوا بثواب اجتهادهم قال اللّه تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وقال اللّه تعالى : وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فصار الكتاب أصلا والسنة فرعا واستنباط العلماء إيضاحا وكشفا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « القرآن أصل علم الشريعة نصه ودليله والحكمة بيان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والأمة المجتمعة « 6 » حجة على من شذ « 7 » عنها » وكان من رأفته « 8 » بخلقه وتفضله على عباده أن أقدرهم على ما كلفهم ورفع الحرج عنهم فيما تعبدهم ليكونوا مع ما قد أعدّه لهم ناهضين بفعل الطاعات ومجانبة المعاصي . قال اللّه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وقال :
--> ( 1 ) مجملا : المجمل : ما خفي المراد منه ، بحيث لا يدرك بنفس اللفظ إلا ببيان من المجمل ، سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية كالمشترك ، أو لغرابة اللفظ كالهلوع ، أو الانتقال من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم فترجع إلى الاستفسار ، ثم الطلب ، ثم التأمل ، كالصلاة والزكاة والربا ، فإن الصلاة في اللغة الدعاء ، وذلك غير مراد ، وقد بينها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالفعل ، ويسمى هذا البيان عند الأصوليين بيان تفسير وهو إيضاح ما فيه خفاء من المشترك أو المشكل أو المجمل أو الخفي . ( 2 ) مشكلا : والمشكل : هو ما لا ينال المراد منه إلا بتأمل بعد الطلب . ( 3 ) محتملا : أي المعينين أو أكثر . ( 4 ) الاختصاص به : أي بذلك الكتاب . ( 5 ) الاجتهاد : هو بذل الجهد ، وفي الاصطلاح هو استفراغ المجهود في استنباط الحكم الشرعي الفرعي عن دليله ، ليصل إلى مراد اللّه تعالى . ( 6 ) المجتمعة : الاجماع لغة العزم والاتقان ، واصطلاحا : اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلّم في عصر على أمر ديني . ( 7 ) شذ : يقال : شذ عنه : استبد وانفرد عن الجمهور . ( 8 ) من رأفته : الرأفة الرحمة ، أو أشد الرحمة ورأفتها .